الاثنين، 22 أكتوبر 2012

من أسرار القران .. :)




من أسرار القرآن

بقلم‏:‏د‏.‏ زغلـول النجـار



"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين "

 
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية العشر الثاني من سورة البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏

من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في النص الكريم‏:‏



يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين‏(‏ البقرة‏:34)‏

وأكد ربنا ـ تبارك اسمه ـ هذا المعني في أربعة مواضع أخري من محكم كتابه فقال‏:‏
‏ (1)‏ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين‏*(‏ الأعراف‏:11).‏

(2)‏ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا‏*(‏ الإسراء‏:61)‏

(3)‏ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا‏*(‏ الكهف‏:50)‏

(4)‏ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي‏*(‏ طه‏:116)‏

وسجود الملائكة لأبينا آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ هو سجود تكريم واحترام وتوقير‏,‏ لا سجود خضوع وعبادة وتسليم كسجود العباد لخالقهم‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ وذلك لأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ خص ذاته العلية وحده بالعبادة‏,‏ وأمر عباده بعدم الخضوع بالسجود لغيره‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ واعتبر ذلك ضربا من الشرك بالله‏.‏

والملائكة خلق غيبي بالنسبة لنا‏,‏ سابق خلقهم لخلق الإنسان‏,‏ وصفهم رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بأنهم خلقوا من نور‏,‏ وذلك انطلاقا من حديث أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ خلقت الملائكة من نور‏,‏ وخلق الجان من مارج من نار‏,‏ وخلق آدم مما وصف لكم‏(‏ صحيح مسلم‏).‏

والملائكة يصفهم القرآن الكريم بأنهم عباد الله المكرمون‏,‏ وبأنهم هم الملأ الأعلي‏,‏ وهم السفرة‏,‏ الكرام البررة‏.‏

والإيمان بالملائكة واجب إسلامي لقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏:‏ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير‏*(‏ البقرة‏:285).‏

ويؤكد ذلك قوله ـ سبحانه وتعالي‏:...‏ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا‏*(‏ النساء‏:

ويصف القرآن الكريم الملائكة بقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون‏*‏ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون‏*(‏ النحل‏:50,49),‏ ويقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون‏*‏ يسبحون الليل والنهار لا يفترون‏*(‏ الأنبياء‏:20,19).‏

ويضيف القرآن الكريم في وصف الملائكة قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏

الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثني وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله علي كل شيء قدير‏*(‏ فاطر‏:1).‏

ويؤكد القرآن الكريم الطاعة الفطرية لله في الملائكة بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عنهم بأنهم‏:...‏ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‏*(‏ التحريم‏:6)‏

والأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ وجميع ذريته إلي قيام الساعة موجودة في صلبه هو إعلان من الله ـ تعالي ـ بتكريم الإنسان‏,‏ ذلك المخلوق المكرم الذي خلقه الله ـ سبحانه وتعالي ـ بيديه‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وأسجد له الملائكة‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق تفضيلا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا‏*‏
‏(‏الإسراء‏:70).‏

ومبعث هذا التكريم أن الله ـ تعالي ـ توج الحياة الأرضية بخلق الإنسان‏,‏ وجعله أشرف هذه المخلوقات علي الإطلاق‏,‏ وميزه بالبيان والعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير الإيجابي‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات‏,‏ ومن ثم جعل الإنسان مخلوقا عاقلا مكلفا مسئولا محاسبا عن كل عمل يعمله في هذه الحياة الدنيا‏.‏

فهناك العالم المادي‏(‏ بجوامده‏,‏ وسوائله‏,‏ وغازاته‏),‏ وهناك عوالم الحياة غير المكلفة‏:‏ النباتية والحيوانية‏,‏ وعوالم الحياة العاقلة غير المحسوسة ومنها المسخر‏(‏ كالملائكة‏)‏ والمكلف‏(‏ كعالم الجن‏)‏ وهناك الإنسان ذلك المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول‏,‏ المحاسب والمدرك‏,‏ الذي له القدرة علي التفكير وعلي إدراك ما يفكر فيه‏,‏ كما يستطيع الإدراك في نفسه لمعان وقيم للأشياء والأفعال تجعله قادرا علي العيش في عالم من الأفكار‏,‏ والتصورات‏,‏ والذكريات‏,‏ والعواطف‏,‏ والمشاعر‏,‏ والأحاسيس‏,‏ والتعبير عن ذلك كله تعبيرا يقبله العقل السوي‏,‏ وذلك مكن الإنسان من ادراك ذاته بصورة متميزة عن كل ما سواه من الكائنات الحية المدركة‏,‏ رغم ما بينه وبينها من شبه في البناء يشير إلي وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ وتمايز في مستوي هذا البناء تشير إلي طلاقة القدرة الإلهية التي أبدعت خلق الإنسان وإلي مبررات التكريم الذي رفعه إليه الله وهو ـ تعالي ـ الرافع الخافض‏.‏

والإنسانية في الإنسان ليست بجسده المادي المعقد البناء‏,‏ ولا بصفاته الجسدية الظاهرة والتشريحية الخاصة‏,‏ فكل ذلك يحكمه قوانين المادة ومظاهر الحياة‏.‏ والإنسانية في الإنسان ليست كذلك بنسبته إلي سلالة معينة من الكائنات هي السلالة البشرية بمعني كونه بشرا اي مخلوقا ظاهرا علي جميع الكائنات الحية الارضية‏,‏ بمعني كونه انسيا من الإنس‏(‏ اي غير الجن‏)‏ فهذه كلها صفات مادية محضة‏.‏ ولكن الانسانية في الانسان هي قدرته علي الارتقاء بذاته الي الدرجة التي تؤهله للقيام بواجبات الاستخلاف في الارض‏,‏ واحتمال تبعات التكليف الالهي الذي كلفه به الله ـ تعالي ـ بقوله العزيز‏:...‏ إني جاعل في الأرض خليفة‏..*‏ والارتقاء بذاته كذلك الي الدرجة التي تؤهله لحمل الأمانة التي وصفها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بقوله العزيز‏:‏ إنا عرضنا الأمانة علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا‏*‏
‏(‏الأحزاب‏:72).‏

ولذلك فالإنسان توازن دقيق بين طبيعته المادية وروحه التي نفثها فيه خالقه‏,‏ وجعل له عقلا يحول دون طغيان أحد جانبيه علي الآخر‏,‏ وعلي ذلك فالإنسان يعلو علي متطلبات جسده بعقله‏,‏ ويعلو علي أحكام عقله بروحه‏,‏ لأنه يتصل بدوافع الحياة بواسطة جسده‏,‏ ويتصل بخالقه عن طريق عقله وروحه‏.‏ وواجب العقل البشري أن يدرك ما وسعه إدراكه من العوالم المحسوسة المدركة‏,‏ ولكنه لا يستطيع إدراك ما فوق ذلك من عوالم الغيب المطلق إلا ببيان من الله ـ تعالي ـ عن طريق الوحي المنزل علي أنبياء الله ورسله‏.
من هنا كانت ضرورة الدين لاستقامة حياة الإنسان علي الأرض‏,‏ وتمكينه من تحقيق رسالته فيها بنجاح‏.‏

والدين علمه الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة خلقه‏,‏ وأنزله علي سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأتمه وختمه في الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد النبي العربي ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولما كان ليس من بعد هذا الرسول الخاتم من نبي ولا رسول‏,‏ فقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بحفظ رسالته الخاتمة تعهدا مطلقا فحفظت في القرآن الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم المرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في نفس لغة الوحي بها‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا وسوف تبقي محفوظة بحفظ الله ـ تعالي ـ الي ما شاء الله حتي تبقي حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏.‏

والإنسان لا يمكنه أن يحيا علي هذه الأرض حياة سوية بغير الدين‏,‏ والدين لا يمكن أن يكون صناعة بشرية لقيامه علي عدد من ركائز الغيب المطلق‏(‏ كقضية العقيدة‏)‏ وعلي فروض تعبدية لابد للإنسان من تلقي أوامرها من الله ـ سبحانه وتعالي ـ وعلي دستور اخلاقي وفقه للمعاملات وهذه من القضايا التي لا تقوي الطبيعة البشرية علي وضع أية ضوابط صحيحة فيها‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين‏.‏

والإنسان بفضل عقله‏,‏ وإرادته الحرة المستنيرة بالعقل يستطيع التمييز بين معتقد صحيح وآخر غير صحيح‏,‏ وذلك بدقة حفظ الوحي السماوي الذي أنزل بهذا المعتقد‏,‏ والإنسان هو الكائن المتميز بالقدرة علي تحصيل العلم‏,‏ وبالاستعداد لكسب المعارف عن طريق التحصيل‏,‏ والتفكير والإلهام والالتزام بوحي السماء‏,‏ وهو المخلوق الوحيد القادرعلي تدبير حياته‏,‏ وعلي توجيه قواه وملكاته المادية والروحية‏,‏ وعلي تسخير ما في الأرض من قوي وكائنات‏,‏ وما في الكون من سند وقوانين لعمارة الحياة علي الأرض‏,‏ ومن ثم التعرف علي خالق الكون ومبدع الوجود‏,‏ وفهم رسالته في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏,‏ مطالبا بعبادته بما أمر‏,‏ ومستخلفا ناجحا في الحياة مطالبا بعمارة الارض واقامة شرع الله وعدله فيها وهي مبررات الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ وبصلبه جميع بنيه
أما إبليس فهو من الجن كما جاء في سورة الكهف‏,‏ والجن من عالم الغيب الذي لا نراه‏,‏ وهم قد عمروا الأرض قبل الإنس‏,‏ وأساءوا وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء قبل أن يسفكها بنو آدم‏.‏ وقد سمي الجن جنا لاستتارهم عن أبصار الإنس‏.‏ والجن خلق عاقل مكلف كالإنس‏,‏ ومنهم المؤمن والكافر‏,‏ وهم يأكلون ويتناسلون ويموتون‏,‏ وقد عرفهم الإنس من كتاب الله ـ سبحانه وتعالي ـ ومن سنة رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقد جاء ذكر الجان في مواضع عديدة من القرآن الكريم‏,‏ وفي العديد من أحاديث سيد المرسلين‏,‏ ومن هنا وجب الإيمان بوجودهم وإن لم نستطع رؤيتهم‏.‏

وقد شمل أمر الله ـ تعالي ـ إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ كل من كان معهم ـ علي الرغم من كون الأمر للملائكة خاصة ـ وقد كان معهم إبليس وكان يعبد الله ـ سبحانه وتعالي ـ بعبادة الملائكة فشمله الأمر بالسجود لآدم ولكنه أبي‏.‏

هذه الواقعة لم يشهدها أي من بني آدم‏,‏ ولم يسمع بها كفار ومشركو قريش‏,‏ ولم ترد في أي من كتب الأولين‏,‏ ومن هنا فإن عرضها في خمسة مواضع مختلفة من القرآن الكريم‏(‏ في كل من سورة البقرة‏,‏ الأعراف‏,‏ الإسراء‏,‏ الكهف‏,‏ وطه يمثل وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ يشهد لهذا الكتاب المجيد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتي يبقي القرآن الكريم حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏,‏ ويبقي شاهدا بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشاهدا للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق